القرطبي
64
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
ولها شروط أربعة « 1 » : الندم بالقلب ، وترك المعصية في الحال ، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها ، وأن يكون ذلك حياء من اللّه تعالى وخوفا منه لا من غيره ، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة . وقد قيل : من شروطها : الاعتراف بالذنب ، وكثرة الاستغفار الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان ، فأما من قال بلسانه : أستغفر اللّه وقلبه مصرّ على معصيته ؛ فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر . وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار . قال الشيخ المؤلف رحمه اللّه : هذا مقولة في زمانه ، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع ، والسبحة في يده ، زاعما أنه يستغفر من ذنبه ، وذلك استهزاء منه واستخفاف ، وهو ممن اتخذ آيات اللّه هزوا ، وفي التنزيل : وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً [ البقرة : 231 ] . وروي عن علي رضي اللّه عنه أنه رأى رجلا قد فرغ من صلاته وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، سريعا - فقال له : يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين ، وتوبتك تحتاج إلى توبة . قال يا أمير المؤمنين : وما التوبة ؟ قال : اسم يقع على ستّة معان : على الماضي من الذنوب ، والندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ، ورد المظالم إلى أهلها ، وإذءاب النفس في الطاعة كما أذأبتها في المعصية ، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية ، وأن تزين نفسك في طاعة اللّه كما زينتها في معصية اللّه ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . وقال أبو بكر الورّاق : التوبة أن تكون نصوحا ، وهو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلّفوا وهم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع وهلال بن أمية . وقيل : التوبة النصوح هي : رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات . وقيل غير هذا . وبالجملة فالذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره ، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف من كفره ، وليس مجرد الإيمان نفس التوبة . وغير الكفر ؛ إما حق للّه تعالى وإما حق لغيره . فحق اللّه تعالى يكفي في التوبة منه الترك ، غير أن منها ما لم يكتف
--> ( 1 ) انظر في ذلك : « حادي الروح إلى أحكام التوبة النصوح » للشيخ المفضال سليم بن عيد الهلالي ، نشر : دار ابن عفان .